فصل: تفسير الآية رقم (111):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (104- 107):

{قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107)}.
التفسير:
البصائر: جمع بصيرة، والبصيرة الآية التي يتكشف للناظرين فيها عبرة وعظة، ويقع لهم من الوقوف إزاءها علم ومعرفة.
وقوله تعالى: {قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها} أي قد جاءتكم آيات بينات، فيها تبصرة وعظة لأولى الألباب.
{فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ} حيث يرى طريقه، ويعرف الاتجاه السليم الذي يسير فيه {وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها} حيث يضل الطريق، ويتخبط في متاهات الضلال، وتكون عاقبته الهلاك والضياع.
وقوله سبحانه: {وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} أي ليس على النبيّ إلا أن يعرض هذه البصائر التي تلقاها من ربه، ثم إنه ليس عليه بعد هذا أن يتولى حراسة الناس وحمايتهم من أهوائهم الغالبة، ونزعاتهم المستبدة.. فهذا نور اللّه بين أيديهم، وفى مواجهة أبصارهم.. فمن أبصر فلنفسه، ومن عمى فعليها.
واللّه سبحانه وتعالى يقول:
{أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ} [43: يونس] قوله سبحانه: {وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.
تصريف الآيات، تنويعها، وتعدد وجوهها، بحيث يرى الناظر فيها مشاهد متعددة الألوان، مختلفة الأشكال.. لجلال اللّه، وكمال علمه، وسلطان قدرته، وبحيث من أخطأه التهدّى إلى اللّه من واحدة منها لم يخطئه ذلك في كثير غيرها.
وفى قوله تعالى {وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ} إشارة إلى معطوف محذوف يدل عليه سياق النظم، وتقديره، {وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ} ونعدّد وجوهها لتلقاهم في كل متّجه، ولتأخذ عليهم كل سبيل {وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ} أي وليقولوا جهلا وسفاهة: إن هذا العلم الكثير الذي تحمله تلك الآيات إنما هو مما درسه محمد وتلقّاه من علماء أهل الكتاب، وأنه ما كان له وهو الأمىّ، أن يجيء إليهم بهذا العلم الذي لم يكن لهم هم ولا آباؤهم.. وفى هذا تشنيع على هؤلاء الضالين المشاغبين، وتسفيه لعقولهم، إذ لو عقلوا لكان أقرب إلى العقول أن يضيفوا هذا العلم إلى اللّه، وأن يروا في أميّة محمد وفى هذا العلم الغزير الذي حمله إليهم شاهدا على أن هذا القرآن هو من عند اللّه، لا من تلقّيات محمد عن غيره.
وقد كان فيهم كثيرون اتصلوا بأهل الكتاب، ولم يكن لهم شيء من هذا العلم الذي جاءهم به هذا الأمىّ الذي لم ينقطع للعلم، ولم يجلس إلى أهل العلم.
وقوله تعالى: {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} تعليل آخر لمجيء آيات اللّه مفصّلة هذا التفصيل، ومبيّنة هذا التبيين.. وذلك ليكون فيها مزيد بيان ومعرفة وعلم {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي لقوم من شأنهم أن يتعلموا ويعلموا.. والضمير في قوله تعالى: {وَلِنُبَيِّنَهُ} يعود إلى القرآن الكريم، الذي هو مجمع هذه الآيات كلها، والكتاب الذي احتواها، واشتمل عليها جميعا، وفى تفصيل هذه الآيات، وتعدد وجوهها بيان وتوضيح لقوم يعلمون، وبلاء وفتنة للضالين.
وقوله سبحانه: {اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} التفات من اللّه سبحانه للنبىّ الكريم، وتثبيت له على الكتاب الذي تلقّاه من ربّه، دون أن يلتفت إلى شيء من تخرصات المشركين، واستهزاء المستهزئين.
وفى إضافة النبي الكريم إلى ربّه- سبحانه وتعالى- تكريم للنبى الكريم، واحتفاء به، واستدعاء له من بين هؤلاء الضالين إلى حيث ينزل هذا المنزل الكريم، من رحمة اللّه ورضوانه.
وفى قوله تعالى: {وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا} إخلاء لمشاعر الأسى والحزن التي يعالجها النبيّ، وهو يدعو قومه إلى الهدى والخير، وهم يتفلّتون من بين يديه إلى الضلال والهلاك.. فهذا الضلال الذي هم فيه هم أهل له، وهو أشكل بطبيعتهم النكدة، وقلوبهم المريضة.. ولو شاء اللّه لهم الهداية لهداهم، ولما كانوا من المشركين.. فذلك إلى قدرة اللّه ومشيئته، وليس لك- أيها النبي- من الأمر شيء.. {وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} إذ لست مرسلا من عند اللّه لتقهرهم على الإيمان، ولتدفع عنهم بالقوّة هذا الضلال الذي هم فيه.. وما أنت عليهم بوكيل، إذ هم راشدون مسئولون عن أنفسهم، وعن اختيار الطريق الذي يسلكونه.
{إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ} فتنبّه الشارد، وتهتف بالضال.. فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضلّ فإنما يضل عليها، وما أنت عليهم بوكيل.

.تفسير الآيات (108- 110):

{وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (108) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110)}.
التفسير:
أمر اللّه سبحانه نبيّه الكريم في الآيات السابقة أن يقف على حدود ما أنزل إليه من ربّه، وأن يدع المشركين وشأنهم، بعد أن بلغهم رسالة ربّه، وأن ليس للنبىّ أن يكرههم على الإيمان، إن عليه إلا البلاغ.
وهنا في قوله تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} يحذر اللّه النبيّ والمسلمين معه، أن يدخلوا في معارك جدليّة مع المشركين، تنتهى بهم إلى التراشق بالكلمات الجارحة، فيشتم بعضهم بعضا، ويسبّ بعضهم بعضا.. وهنا يجدها المشركون فرصة للتعدّى على اللّه، والتطاول على ذاته الكريمة، وكان ذلك أشدّ ما يصيبون به المسلمين في مشاعرهم، لما للّه سبحانه وتعالى في أنفسهم من تعظيم وتوقير، ولما يعلمه المشركون من تعلّق المسلمين باللّه، وحبّهم له، ورعايتهم لأوامره ونواهيه.
وليس كذلك شأن المشركين مع آلهتهم التي لا ينظرون إليها تلك النظرة الخاشعة، التي ينظر بها المسلمون إلى اللّه، ولا يرون في آلهتهم ما يرى المسلمون في اللّه، من قدسية، وعظمة، وجلال.
وقد تنبّه العقلاء إلى مثل هذه الحال، فبعدوا بأنفسهم عن تلك المواطن التي يقفون فيها مع السفهاء موقف الخصومة والتلاحي، لأن السفيه الساقط المروءة، يجد في التطاول على أهل الحكمة وأصحاب الشأن في الناس فرصته، في الاستعلاء بنفسه، حين يكون هو ومن فوقه في منزلة سواء.. وفى هذا يقول الشاعر:
بلاء ليس يعد له بلاء ** عداوة غير ذى حسب ودين

يبيعك منه عرضا لم يصنه ** ليرتع منك في عرض مصون

فإذا سبّ المشركون اللّه في مجلس من مجالسهم مع المسلمين، شعروا أنهم أصابوا من المسلمين مقتلا، وإذا سبّ المسلمون آلهتهم لم يكن في ذلك ما يزعجهم أو يقلقهم، وإن يكن شيء من ذلك فهو شيء قليل لا يكاد يحسّ له أثر! شأن الخسيس يتطاول على الكريم، فإذا ناله الكريم بأذى لم يتأثر له.
{وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} والعدو: العدوان والبغي. في حمق وسفاهة وطيش.
أي ولا تتعرضوا للآلهة الذين يدعوهم المشركون من دون اللّه، فيسبّوا اللّه عدوا، أي أنهم يسرعون إلى سبّ اللّه، ويجدونها فرصة لهم لينالوا منكم بالتعرض بالسبّ لأقدس المقدسات، وأكرم الحرمات عندكم.
وفى قوله تعالى: {عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} إشارة إلى أن هؤلاء المشركين لا يقدرون اللّه حق قدره، ولا يعلمون ما تعلمون أنتم أيها المؤمنون من جلاله وقدسيته وعظمته. فلا يتوقفون عند أية سانحة تسنح لهم للتطاول على اللّه.
وقوله تعالى: {كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} هو عزاء للمسلمين لما ينالهم من تطاول المشركين على اللّه، واستخفافهم به.. فذلك لأنهم لم يعرفوا اللّه حق المعرفة، وأنهم مشغولون عنه بآلهتهم تلك، وأنها- على ما هي عليه ضعف وهوان- ذات شأن عند المشركين، الذين آمنوا بها وعبدوها.. وهكذا الناس وما يحبّون ويبغضون.. هم في هذا مذاهب شتّى.. من يحبه قوم، يبغضه آخرون، ومن يبغضه أناس، يحبّه أناس غيرهم.. {كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ}.
وقوله تعالى {ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ} الضمير في {ربهم} يعود إلى الناس الذين تضمهم هذه الأمم.. أي أن الناس جميعا على اختلاف معتقداتهم ومذاهبهم وأعمالهم سيردّون إلى اللّه.. وهنا يعرف كل إنسان حقيقة ما كان عليه.. من حق أو باطل، وصفة ما كان يعمل.. من خير أو شر.
قوله سبحانه: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها}.
الآية التي أقسم المشركون على أنهم يؤمنون بها لو جاءتهم، ووقعت تحت حواسّهم- هي التي كانوا يقترحونها على النبيّ، فيما حكاه القرآن عنهم في قوله تعالى: {فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} [5: الأنعام] وقوله سبحانه: {لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها} [7- 8: الفرقان].. وقوله تعالى: {وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا} [90- 92: الإسراء].
هذه هي بعض الآيات التي أقسموا باللّه جهد أيمانهم- أي قسما مؤكدا بكل المؤكدات- لو جاءتهم آية منها ليؤمننّ بها، ويتخذونها دليلا على صدق النبيّ! وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ} هو ردّ من اللّه تعالى عليهم، أمر النبيّ الكريم أن يلقاهم به.. فإنه- أي النبيّ- لا يملك من تلك الآيات شيئا، وإنما هي من اللّه سبحانه وتعالى، ينزّلها بقدر، وتدبير وحكمة، على من يشاء، متى يشاء.
وقوله سبحانه: {وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ} هو التفات للمؤمنين الذين سمعوا الجواب الذي أجاب به النبيّ على ما يقترحه المشركون عليه من آيات.. وفى هذا الالتفات ردّ على تطلّعات بعض المسلمين الذين كانوا يتوقعون أن يجيء النبيّ بمثل هذه الآيات، ليقطع على المشركين حجتهم، ولينهى الخصومة التي بينه وبينهم، وبهذا تنطفئ نار الشرّ المحتدم بينهم وبين المؤمنين، حين تدخلهم تلك الآية في دين اللّه، ويكونون من المؤمنين.
وقد كشف اللّه سبحانه وتعالى في هذا الردّ عن طبيعة هؤلاء المشركين، وأنهم ليسوا طلاب هدى يملأ صدورهم طمأنينة وإيمانا، ولكنهم أصحاب هوى، وأتباع ضلال، لا يريدون بهذه المقترحات التي يقترحونها إلّا اللجاج في العناد، والضلال.
وفى قوله تعالى: {وَما يُشْعِرُكُمْ} إشارة إلى أن ما بالمسلمين من أمر هؤلاء المشركين في هذا الموقف، هو مجرد مشاعر وأحاسيس، وليس إدراكا، ولا علما.. إذ أن المسلمين كانوا يعلمون من عناد هؤلاء المشركين أنهم لن يؤمنوا بأية آية، ولكن ما كان يجده المسلمون منهم من عنت وإرهاق ألقى في شعورهم شيئا من الأمل، يتعلّلون به، في مجيء تلك الآية المقترحة، التي إن لم يؤمن بها هؤلاء المشركون، فلا أقلّ من أن تخفف من عداوتهم للمؤمنين وعدوانهم عليهم.
وقوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ}.
هو توكيد لعدم إيمان المشركين بهذه الآيات التي تتنزل عليهم حسب مقترحاتهم، وأنهم إذا التقوا بها، فإنما يلقونها بقلوب مريضه، وأبصار زائغة، وألسنة تردد كلمات الزور والبهتان، كما كان ذلك شأنهم مع آيات القرآن الكريم التي التقوا بها، وقالوا فيها ما قالوا من زور وبهتان.. ثم ينتهى موقفهم مع الآيات التي اقترحوها كما انتهى مع الآيات التي جاءهم بها النبيّ.
طغيان، وعناد. وكفر وضلال..{وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً} [41: الإسراء].

.تفسير الآية رقم (111):

{وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)}.
التفسير:
فى هذه الآية يكشف اللّه سبحانه وتعالى عن هذا المدى البعيد الذي بلغه أولئك المشركون من إمعان في الضلال والطغيان، وأنهم إن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها.
فلو أن اللّه- سبحانه- أنزل عليهم الملائكة، يمشون بينهم، ويتحدثون إليهم لقالوا فيهم مقالا، ولو جدوا للزور والبهتان علّة يعتلّون بها.
ولو أن اللّه سبحانه بعث الموتى من قبورهم يكلمونهم، كما كانوا يكلمونهم وهم أحياء، لكان لهم فيهم لغط وجدل.
ولو أن اللّه- سبحانه- بعث إليهم كل شيء يقترحونه، وجاءهم به عيانا ومواجهة {قبلا}، ما كانوا ليؤمنوا، ولقالوا من الزور والبهتان ما حكاه اللّه عنهم في قوله تعالى: {وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} [14- 15: الحجر] وفى قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ} هو استثناء من جميع الأحوال، أي أنهم لا يؤمنون في أي حال إلا في تلك الحال التي يشاء اللّه لهم فيها أن يؤمنوا، وهى حال تتعلق بمشيئة اللّه، ولا تتعلق بما يساق إليهم من آيات ومعجزات، فإيمانهم معلق بمشيئة اللّه، لا بتلك الآيات التي يقترحونها.. {وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ}.
أي أكثر النّاس، وهم هؤلاء المشركون جميعا، ومعهم كثير من أولئك المؤمنين الذين طمعوا في إيمانهم، واستشعروا أنهم قد يؤمنون إذا جاءهم النبي بما يقترحون عليه من آيات- أكثر هؤلاء لا يعلمون مشيئة اللّه المتسلطة على هذا الوجود، القائمة على تصريفه وتدبيره.. فلا يقع شيء إلا على الوجه الذي شاءه اللّه- سبحانه وتعالى- وقدّره.
مبحث: في مشيئة اللّه ومشيئة العباد:
وهنا نودّ أن نقف وقفة قصيرة، مع هذه القضية، التي شغلت الناس منذ عرفوا اللّه فآمنوا به.. من علماء، وفلاسفة، وفقهاء، ومتدينين بل وملحدين.
هل للإنسان إرادة؟
هذا سؤال لا يكاد يتردد أحد في الإجابة عليه بنعم!! فكل إنسان يعلم من نفسه، ومن تصرفات الناس حوله، أن للإنسان إرادة.. بها يتحرك ويعمل، وبها يأخذ ويدع.
ولكن حين يصبح السؤال هكذا: هل للإنسان إرادة مع إرادة اللّه؟
هنا تأخذ المسألة وضعا آخر، وتدخل القضية في مجال النزاع والخلاف.
إنها قضية القضايا.. فهى ليست من القضايا ذات الصبغة المحلّية كما يقولون.. بين الإنسان والإنسان، أو بين الإنسان والطبيعة.. ولكنها بين الإنسان وبين اللّه.. بين العبد والرب.. بين المخلوق والخالق!
وما ظنّك بقضية يكون العبد فيها خصما لربّه، أو محاجّا لخالقه؟ إنها حينئذ تكون قصية شائكة محرجة.. فيها لجاجة وخروج على مقتضى العبودية.
فيها تجديف وضلال، وفيها مزالق وعثرات! ونعم.. الطريق شائك، مليء بالمزالق والعثرات.. ولكن هيهات أن يمسك الإنسان نفسه عن السير فيه.. فإن استطاع أن يمسك قلمه، أو لسانه، فإنه ليس بمستطيع أن يمسك زمام خواطره ووساوسه.. بحال أبدا.
أما والأمر كذلك، فخير للمرء أن يواجه المشكلة، وأن يقتحم عليها موطنها، قبل أن تفجأه على غرّة، وتهجم عليه على حين غفلة، فتنال منه، وتفسد عليه رأيه، أو تدخل الشك والوسوسة على عقيدته.
وأما وقد رضينا أن نواجه المشكلة، ونقتحم عليها حماها، فإنه يجب علينا أن نأخذ لها حذرنا وأسلحتنا.. شأن من يتهيأ لصراع عنيف، ويدخل في معركة حاسمة..!
وزادنا في هذه المعركة، هو إيمان باللّه.. إيمان وثيق، لا تزعزعه الأعاصير العاتية، ولا تنال منه الأحداث المزلزلة.. وأمّا سلاحنا فهو عقل يقظ، وقلب سليم، ننظر بهما في كتاب اللّه، وفى سنّة رسول اللّه، في حدود ما وهبنا اللّه من استعداد فطرى، دون التطويح بالعقل، والشرود به في مجال غير مجاله الذي خلق له.
ذلك هو زادى، وهذا هو سلاحى.. فإن أردت أن تصحبنى على هذا الطريق، فخذ من الزاد والسّلاح ما أخذت.. وإلا فأنصح لك أن تكون حيث أنت، ولا تصاحبنى.. وحسبك أن تعود أدراجك ونحن على أول الطريق، وأن تطوى هذه الصفحات، لتستقبل ما بعدها مما نحن بسبيله من الوقوف بين يدى اللّه، وكلماته، على ما عهدت منا، قبل أن نأخذ في هذا الحديث.
فإن كنت قد رضيت صحبتى على ما اشترطت عليك فهيّا بنا إلى غايتنا.
ولكن مهلا.. هل اختبرت إيمانك؟ وهل أيقظت عقلك، وأحليت قلبك من كل شك ووسواس؟ لا بأس من أن تعيد النظر.. فإننا- كما قلت لك- لا نزال على الشاطئ، وقد يكون العود أحمد لك..!
وبعد، فإن كنت على عزيمة أن تسير معى، فلى عليك ما اشترط العبد الصالح على موسى، عليهما السلام: {فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً}.
أنتحرك إذن؟ ليكن.. وعلى بركة اللّه.
هل للعبد إرادة مع اللّه؟
سنجيب على هذا السؤال بالجوابين المحتملين له.. فنقول: نعم مرة، ونقول: لا.
مرة أخرى.. وننظر.
القول بأن للعبد إرادة مع اللّه وهذا القول قالت به القدريّة من المعتزلة.
ويبنى على هذا القول أمران:
أولا: أن العبد خالق لأفعاله، مسئول عنها مسئولية كاملة.
وثانيا: أن ما يناله العبد من نعيم أو عذاب في الآخرة هو بسبب عمله الحسن، أو السيّء.
وقد بنى هذان الأمران عند القدرية على ما يأتى:
أولا: أن العبد لو لم يكن خالقا لأفعاله، وأن اللّه سبحانه وتعالى هو الذي خلقها، وأضافها إلى الإنسان، ثم عذّبه عليها- مع أنه لم يفعلها- لكان ظالما له، والظلم نقصان، لا يليق باللّه الموصوف بالكمال المطلق.
وكيف يفعل اللّه شيئا، ثم يلوم الإنسان عليه، ويقول له: كيف فعلته؟
ولم فعلته؟ وهو لم يكن له كيف، ولا فعل؟
إن اللّه عادل، وعدله يقضى بأن يحاسب العبد على ما فعل.
وإذن، فأفعال العبد مخلوقة له، ومحسوبة عليه.
وثانيا: أوجب القدريّة على اللّه أن يثيب الطائعين، كى لا يظلمهم، فإن الظلم نقصان لا يليق بربّ الأرباب! هذه هي حجة أو حجج من يقولون إن للعبد إرادة خالقة، مع إرادة الخالق.
القول بألا إرادة للعبد مع إرادة الرب وأهل السنة، هم أصحاب هذا القول.. وقد بنوه على أمرين كذلك:
أولا: أن كمال الإله هو في التفرد بكل شيء.. ونفى القدرة عيب، ونقصان.. والكمال يقتضى أن يكون كل شيء خاضعا لقدرة اللّه، جاريا على ما تقضى به حكمته ومشيئته.
وثانيا: إثابة المحسن، ليس لإحسانه وحده، وإنما ذلك من فضل اللّه عليه. وتعذيب من يعذبهم اللّه، ليس لذنوبهم وحدها، وإنما ذلك لحكمة يعلمها اللّه، وحسب نظام قدّره، وليس في هذا ظلم.. لأن الظلم إنما ينسب لمن يتصرف في غير ملكه، واللّه سبحانه إنما يتصرف فيما خلق..
وأهل السّنة- مع هذا- لا ينفون إرادة العبد أصلا، كما سنرى بعد، ولكن يرونها إرادة خاضعة لإرادة اللّه، جارية على تقديرها.
وهناك فريق ثالث- وهم الجبرية- لا يرون للعبد إرادة مطلقا، فيقولون إن أفعال الإنسان اضطرارية، وأن كل ما يفعله لا إرادة له فيه، وإنما هو أشبه بآلة تعمل بلا وعى ولا عقل.. وأن المأمورات والمنهيات ليست موصوفة بالحسن والقبح، وإنما هي أوامر ونواه صادرة من جهة عليا، وعلى الإنسان أن يمتثل من غير أن يفكر في حسن المأمور به أو قبح المنهىّ عنه.. فالإنسان لا يقدر على شيء، ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور على أفعاله، لا قدرة له، ولا إرادة، ولا اختيار، بل يخلق اللّه تعالى الأفعال فيه، كما يخلقها في سائر الكائنات، وتنسب إليه الأفعال مجازا كما ننسبها إلى الجمادات، كما يقال: أثمرت الشجرة، وجرى الماء، وتحرك الحجر، وطلعت الشمس.
والثواب والعقاب جبر، كما أن الأفعال جبر.
هذا هو مجمل القول في إرادة العبد وإرادة اللّه، بين أطراف الخصومة عند جماعات المسلمين.
وأنت ترى بعد الشّقة بينهم.. فبينا يقول القدرية: إن العبد خالق لكل أفعاله، وأن إرادته مطلقة من كل قيد- إذ يقول الجبرية: إن العبد لا يفعل شيئا، وإنما اللّه سبحانه هو الذي يخلق ما يفعل العبد، وأن الإنسان والجماد في هذا سواء، كلاهما مسيرّ إلى غاية لا يملك من أمره معها شيئا.
أما أهل السنة، فقد ذهبوا بين الفريقين مذهبا وسطا.. قالوا بإرادة اللّه العامة الشاملة، وقالوا بإرادة العبد المحدودة الواقعة في محيط الإرادة العامة.
وقد دخلت هذه الآراء في مجال للصراع العنيف، واجتمع على كل رأى أنصار يدافعون عنه، ويحتجون له.. وكان الفلاسفة والمتكلمون فرسان الحلبة في هذا الصراع، يصولون ويجولون، ويحومون حول الكتاب والسنة، يأخذون منهما الحجة على خصومهم، فخلطوا في هذا بين فطرة الإسلام، وفلسفة اليونان، وما وصل إليهم من معتقدات فارس والهند وغيرهما.. وكان من هذا أن اتسعت شقّة الخلاف بين المتخاصمين، وانقسمت الفرق المختلفة على نفسها، فكان لكل فريق مقولات تدور حول الأصل الذي قام عليه الرأى في المذهب.
تفصيل بعد إجمال:
ولكى نتعرف إلى وجه الحق في هذه القضية، يجب أن ننظر في آراء هذه الفرق، وفى الأدلة التي قدموها بين يدى هذه الآراء، ثم إن لنا بعد هذا رأينا، الذي نفقهه من ديننا، بعيدا عن التعصب المذهبى، أو التحزّب الطائفي، وخالصا من كل غرض، إلا ابتغاء الحق، وإلا إقامة العقيدة على الحق الذي نزل به الكتاب، وبيّنه الرسول.. كلّ هذا في إيجاز شديد، لأننا نعالج قضية شغل بها العقل الإنسانى منذ كان، وإلى أن يخلى مكانه من هذا العالم، وقد خلّف وراءه محصولا من الآراء والمقولات لا حصر لها.
آراء القدرية:
برز من المعتزلة عدد غير قليل من ذوى اللّسن والرأى.. قالوا بالقدر، وسمّوا بالقدرية، لأنهم يقولون إن العبد قادر على خلق أفعاله، مختارا غير مضطر.
وقد استطاعوا بما لهم من فصاحة وعقل أن يصوروا آراءهم في منطق، وأن يصوغوها في قوالب من الفصاحة والبلاغة، بما كان لهم من نظر في كتب الفلسفة والمنطق، وبما اطلعوا عليه من المعتقدات الدينية الوافدة مع الداخلين في الإسلام من كل أمة.. فكانت لهم فلسفة، وكان لهم أدب.. وحسبك أن يكون من رجال هذه الطائفة.. واصل بن عطاء، والنّظّام، وأبو الهزيل العلّاف، والجاحظ، وجميعهم أئمة في الأدب، كما أنهم أئمة في الرأى.
وهذه مقولات لبعض رجالهم رأى واصل بن عطاء:
يقول واصل بن عطاء: إن اللّه تعالى حكيم عادل، ولا يجوز أن يضاف إليه شر وظلم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر به، وأن يحكم عليهم شيئا ثم يحازيهم عليه! وهذا الذي يقوله واصل، حق لا شك فيه.. فاللّه حكيم عادل، ولكن مع حكمة اللّه وعدله، قدرته وإرادته، والقدرة والإرادة يقضيان بألا يقع في ملكه غير ما يشاء ويريد.
والسؤال هنا: هل الإنسان من القدرة والاستطاعة بحيث يتحكم في الأسباب الخارجة، التي تصادم القوى التي أودعها اللّه فيه.. من عقل وإرادة..؟
يقول واصل: فالعبد هو الفاعل للخير والشر، والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، وهو المجازى على فعله، والرب أقدره على ذلك كله.
ونقول: إذا كان اللّه أقدر العبد على كل ما يفعل من خير وشر، وإيمان وكفر، وطاعة ومعصية- فماذا بقي للعبد إذن؟ وكيف يضاف إليه كل ما يفعل، وهو إنما يفعل بالقدرة التي أقدره اللّه بها على فعل ما يفعل؟ كيف يتفق هذا مع ذك.؟
ويقول واصل أيضا:
ويستحيل أن يخاطب اللّه العبد بافعل وهو لا يمكنه أن يفعل..؟
وهو- أي العبد- يحسّ من نفسه الاقتدار والفعل.. ومن أنكره فقد أنكر الضرورة! ونقول: إن مفهوم هذا القول يقتضى أن يقوم إزاءه قول آخر.. وهو:
إنه يستحيل أن يخاطب اللّه العبد بألا تفعل ثم لا يمكّنه من ألّا يفعل! وإذن، فيكون الوضع الصحيح للمسألة على مقتضى هذا الرأى، هو:
أولا: أن اللّه يأمر العبد بأن يفعل، ويمكنّه من أن يفعل.. وهذا في باب الخير والمعروف، فيفعل كل ما هو خير ومعروف.
وثانيا: أن اللّه ينهى العبد ألا يفعل المنكر، ويمكّنه من ألا يفعله.
وهذا يشمل المنهيات جميعا، فلا يفعل العبد ما هو شر ومنكر أبدا.. وهذا غير واقع.. فما أكثر ما يأتى الإنسان ما نهى اللّه عنه من فواحش وعلى هذا، فالعبد إنما يفعل ما يفعل من خير أو شر بما أودع اللّه فيه من قدرة، فإذا فعل العبد خيرا فبما أودع اللّه فيه من قدرة على فعل الخير، وإذا فعل شرّا فبما فيه من قوة لا تستطع أن تدفع الشرّ الذي فعل.
ما ذنب العبد إذن؟ أهذا يتفق مع العدل الذي يقوم عليه مذهب المعتزلة؟
ألا ينتهى هذا الرأى إلى القول بالجبر؟
ويكاد واصل يقول هذا.. ولكنه يردّه عن ذلك ما يرى من عدل اللّه وحكمته، فهو يريد أن يدفع عن عدل اللّه تبعة الأعمال السيئة التي يجازى عليها المسيئون، كما يدفع عن حكمة اللّه هذه الشرور التي تقع في محيط الناس.
أترى أن واصلا كان عادلا في هذا الحكم؟ إنه نظر إلى المسألة من جانب واحد.. جانب الإنسان العاجز الضعيف، وعلّق في عنقه كل هذه الشرور والآثام.
رأى أبى علىّ الجبّائى وابنه أبى هاشم يقولان: إن اللّه تعالى لم يدّخر عن عباده شيئا يعلم أنه إذا فعل بهم أتوا بالطاعة والتقوى.. من الصلاح والأصلح، واللطف، لأنه- تعالى- قادر، عالم، جواد، حكيم، لا يضرّه الإعطاء، ولا ينقص من خزائنه المنح، ولا يزيد في ملكه الادخار.. ولا يقال إن اللّه تعالى يقدر على شيء هو أصلح مما فعله بعبده ثم لم يفعله.. والتكاليف كلها ألطاف!! وواضح أن هذا القول يجعل أفعال العبد كلها مرضيّة عند اللّه، خيرها وشرها، لأن اللّه لم يدخر عن عباده شيئا من الصلاح والأصلح واللطف.
وإذن.. فلا خير ولا شر.. فالتكاليف- كما يقولان- كلها ألطاف، وما يأتى العبد منها وما يدع، إنما هو غاية ما أعطى اللّه العبد من قوى، وليس وراء هذا شيء يمكن أن يمنحه اللّه العبد غير الذي منح.
ونقول: هل على هذا يقال: إن العبد حرّ مختار، يفعل ما يشاء؟
نعم: إنه يفعل ما يشاء في حدود هذه الطاقة التي أمدّه اللّه بها، والتي هي كل ما عند اللّه له.. كما يقولان! وإذن فلم يحاسب العبد ويعذّب على الشرّ الذي يفعله، وهو لم يفعل إلا بما مكن اللّه له منه، وأقدره عليه..؟
رأى النّظام:
يرى النظام أن القدر خيره وشرّه منّا، وأن اللّه تعالى لا يوصف بالقدرة على الشرور والمعاصي، وليست هي مقدورة للبارئ تعالى.. ويرى النظام أن اللّه لا يقدر أن يخلق أكثر مما خلق بالفعل، وإلا فمن ذا الذي يستطيع أن يحول بينه وبين أن يظهر كلّ ما عنده من الجود والجمال؟.
ونقول: كيف يقف شيء أمام قدرة اللّه؟ وهل تقع هذه الأمور التي نراها شرّا إن لم تكن من تقدير اللّه؟ وهل يدخل على نظام هذا الملك شيء لا يريده اللّه؟
لقد ردّ أصحاب النظام أنفسهم على هذا، فقالوا: إن اللّه قادر على الشرور والمعاصي، ولكنه لا يفعلها لأنها قبيحة.
ونقول: إذا كانت تلك الأمور التي يصفونها بأنها قبيحة، هي قبيحة فعلا.. فلم يدعها اللّه سبحانه تدخل في نظام ملكه الذي أقامه؟
هذا قول متهافت، لا يستقيم أوله مع آخره.
ونستطيع بعد هذا أن نقول: إن أقوال المعتزلة في قدرة الإنسان لم تقم على منطق سليم، ولم نستقم على طريق واضح.
اللّه عادل.. ما في ذلك شك.
ومقتضى هذا العدل أن تجزى كل نفس بما كسبت.. فالعبد كاسب لأفعاله، أي أنها جرت على يديه. وبمحض إرادته.. ولكنه مع هذا واقع تحت إرادة اللّه، خاضع لمشيئته.
وللنظام رأى في إرادة اللّه، وأن معنى الإرادة عنده ليس هو معنى المشيئة، لأن الإرادة بمعنى المشيئة تستلزم حاجة من جانب المريد، ولهذا يقول: إن اللّه إذا وصف بأنه مريد لأفعاله، فمعنى ذلك أنه خالقها ومنشئها، وإذا وصف بأنه مريد لأفعال عباده أو وقوع أمر، فمعنى ذلك أنه حاكم بذلك، أو آمر، أو مخبر.
وهذا الفهم للإرادة بأنها تستلزم حاجة من جانب المريد، إنما هو فهم مقيس على المستوي الإنسانى، حيث إرادتنا محصورة في دائرة حاجاتنا ومطالبنا.
فلا نريد إلا ما نحن في حاجة إليه.. ذلك فهم يتفق مع عالم النقص الذي نحن فيه، فتكون إرادتنا متحركة في هذا العالم حسب حاجتنا، ساعية إلى سدّ ما نشعر به من نقص.. إننا نريد كذا، لأجل كذا.
أما عالم الكمال، فما يصدر عنه لا يصدر لحاجة، وإن صدر بإرادة ومشيئة، ولن يصدر بغير إرادة ومشيئة.. إنه يجرى مع الحكمة التي يطلبها الكمال.
مما تقدم يمكن أن نقول:
أولا: إن المعتزلة قد بالغوا في رفع قيمة الإنسان، وكادوا يجعلون منه إلها مستقلا بسلطان وجوده، لا يلتفت إلى ماوراء وجوده في صراعه مع الحياة، وفى تقلبه بين خيرها وشرها.
ولا شك أن هذه الانعزالية عن العالم العلوي، تحرم الإنسان كثيرا من أمداد الاستعانة بالخالق جلّ وعلا، كما أنها تدفع داعية التوكل على اللّه، والرضا بقضائه وقدره، بعد أن ينفذ القضاء، ويقع المقدور، فيكون في هذا عزاء جميلا عما وقع للإنسان مما يكره ويسوء.
ثانيا: أن المعتزلة في دفعهم للإنسان إلى هذا الحدّ، قد جاروا على الإنسان نفسه، وخلّوا بينه وبين ذاته، وألزموه أمورا وحمّلوه أوزارا يلقى بها ربه في غير رجاء، كما جعلوا صوالح أعماله حقّا ملزما للّه، يطالبه به العبد في غير حياء! وتلك حال يدخل فيها الضيم على الإنسان من كل وجه.. فإن أي إنسان مهما بلغ من التقوى والكمال، ومهما قدّم من خير وبرّ، فهو في حاجة أبدا إلى فضل اللّه، وإنّه لن يدخل الجنة بعمله، لأن أعماله مهما عظمت لن تفى بالقليل من بعض نعم اللّه وفضله عليه.. وفى هذا يقول الرسول الكريم: «إنكم لن تدخلوا الجنة بأعمالكم».
قالوا ولا أنت يا رسول اللّه؟ قال: «ولا أنا إلّا أن يتغمّدنى اللّه برحمته».
ولهذا وجد كثير من أنصار المعتزلة حرجا في الأخذ بقولهم هنا، من إطلاق قدرة الإنسان وإرادته.
فهذا إمام من أئمتهم، وهو الجاحظ لا يرضى أن يقرر مذهب المعتزلة في هذه المسألة على هذا الوجه.. بل إنه ليصل إرادة العبد بإرادة اللّه.. يقول الجاحظ: لا فضل للإنسان إلا بالإرادة.
ومعنى هذا أن للإنسان إرادة، وأنه بغيرها لا يكون أحسن من الحيوان حالا، ولا أكرم منزلة.
ولكن هذه الإرادة التي يحملها الإنسان في كيانه لا تعمل وحدها، هكذا مطلقة من كل قيد، فهى متصلة أولا بكيان الإنسان كله، وهى ثمرة من ثمرات التفاعل الذي يجرى في هذا الكيان، الذي هو متصل بهذا الوجود كلّه، مقيد به، ومؤثر فيه، ومتأثر به.. وفى هذا يقول الجاحظ: لأن أفعال الإنسان كلها داخلة في نسيج حوادث الطبيعة من جهة، ولأن علم الإنسان كلّه اضطراري يأتيه من أعلى.. من جهة أخرى.
ومعنى هذا أن الإرادة التي يعمل بها الإنسان ليست كلها له، لأنها فرع العلم الذي يحصّله اضطرارا، والذي يأتيه من أعلى.
ونسأل: وأين إرادة الإنسان إذن؟
نكاد نقول إن الجاحظ يقول بالجبر والاختيار معا..!
ثالثا: إن المعتزلة وهم يحاولون أن يدافعوا عن عدل اللّه بإضافة أقوال الإنسان كلها- خيرها وشرها- إلى الإنسان- أقول: إنهم بهذا الدفاع قد أنكروا على اللّه أن يكون قادرا ومريدا، مطلق القدرة، ومطلق الإرادة، أي ذا قدرة وإرادة شاملتين.. والقدرة والإرادة بهذا الوصف- من صفات الكمال. فكيف لا يتصف الخالق بهما؟ تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا.
ثورة على المعتزلة:
لهذا لم يرتض كثير من المسلمين آراء المعتزلة، وإن حمدوا للكثير منهم دفاعهم عن الدّين، وكسرهم من حدّة السلبيّة، التي استولت على المجتمع الإسلامى، بعد تلك الفتن الكثيرة، والجراحات القاتلة، التي أصابت الصميم من الجسد الاجتماعى الإسلامى، التي أصابت المسلمين، بعد مقتل الإمام علىّ- كرم اللّه وجهه- ومصارع أهل البيت- رضوان اللّه عليهم- وامتحان كثير من صحابة رسول اللّه، والتابعين، على يد الخلفاء الأمويين والعباسيين على السواء.
فكان الاستسلام للأحداث، والتسليم بالهزيمة هو العزاء لكثير من النفوس، حتى لقد كان لسان حال الناس في كل أمر هو: هذا ما قضى اللّه وقدّره! وكان هذا القول- وهو قول حق- يقال في كل حال داعية إليه، أو غير داعية، يتعزّى به الناس عند كل مصيبة، ويستدعونه عند كل نازلة، دون استحضار هممهم، وبذل جهدهم.. والقول بأن هذا قضاء اللّه وقدر اللّه، هو قول حق، ولكن الاستنامة في ظل هذا القول، وإلقاء كل أخطائنا على القدر، هو الذي لا يرضاه، عقل، ولا يقرّه دين.
من أجل هذا قام المعتزلة في وجه هذه الظاهرة، وتصدّوا لتلك الدّعوة المريضة، ولكن بدلا من أن يقتصدوا في تقرير مسئولية الإنسان، وفى إبراز شخصيته، وإثبات وجوده مع أحداث الحياة- بالغوا أيّما مبالغة في هذا الأمر، فبعد أن كان القول الذائع بأن إرادة اللّه فوق كل شيء، وإرادة العبد لا شيء- أصبح القول عند المعتزلة هو: إن إرادة العبد هي كل شيء، وإن إرادة اللّه لا شيء!.
وهكذا اندفع المعتزلة زمنا وراء هذه الدعوة، وجروا بها أشواطا بعيدة، حتى وقع الخلاف بينهم، وقام فيهم من يردّ عليهم، ويوقف انطلاق دعوتهم.
وكان الأشعري فارس هذه الحلبة، ورجل هذا الميدان!.
رأى أهل السنة:
الأشعري: هو تلميذ أبى علىّ الجبّائى أحد ائمة المعتزلة. ولكنّه لم يرتض قول المعتزلة في إطلاق إرادة الإنسان واختياره،.. فكان له رأيه الذي أصبح- فيما بعد- الرأى الذي تقول به الجماعة، (أي أهل السنّة).
يقول دى بور في كتابه تاريخ الفلسفة الإسلامية: وظهر من بين صفوف المعتزلة رجل كانت رسالته أن يتوسط بين مختلف الآراء، ويقيم بناء المذهب الذي عرف في الشرق، ثم في بلاد العالم الإسلامى، بأنه مذهب السنّة.
استطاع الأشعري أن يجعل للّه ما يليق به، دون أن يتحيّف حق الإنسان.
فالإنسان عنده يمتاز بأنه يستطيع أن يضيف إلى نفسه ما يخلقه اللّه فيه من الأفعال، وأن يعتبر ذلك من كسبه.
وليست مكانة الأشعري عند جمهور المسلمين في هذا الرأى الذي قرّره.
كما يقول دى بور- فإن هذا الرأى في ذاته غير واضح المعالم، وغير مقنع في قضية القدر- كما سنرى- ولكن قيمة الأشعري ومكانته، إنما هي في خروجه على المعتزلة، ووقوفه في وجههم، وتصدّيه لهم وهم أوج قوتهم.
يقول طاش كبرى زاده في كتابه: مفتاح السعادة: ودفع- أي الأشعري- الكتب التي ألّفها على مذهب أهل السنة، وكانت المعتزلة قبل ذلك قد رفعوا رءوسهم، فجحرهم الأشعري، حتى دخلوا في أقماع السمسم!!
ويعلّق المرحوم الشيخ مصطفى عبد الرازق على هذا بقوله: إذا كان مذهب الأشعري في محاربة المعتزلة بمثل سلاحهم، من أساليب النظر العقلي- قد أضعف الاعتزال، وأذلّ سلطانه، فإن السياسة كان لها كبير الأثر فيما ناله الاعتزال من القوة والسيادة أولا، وكان لها أثرها في نزوله عن عرشه أخيرا.
إن الأشعري، قد وقف في وجه المعتزلة، فانتزع منهم الإنسان الذي جعلوه في بعض أحواله خالقا، منفردا بخلق أفعاله وتدبير وجوده، حتى لكأنه يطاول إله العالمين، وينازعه سلطانه- انتزع الأشعري هذا الإنسان الإلهى، ونزل به إلى واقع الحياة البشرية، فجعله كاسبا لأفعاله، لا خالقا لها، عاملا بإرادته، ولكن في ظلّ من إرادة اللّه ومشيئته.
كسب الإنسان:
فتح الأشعري بنظرية الكسب التي أحلها محل الخلق الذي تقول به المعتزلة- نقول: فتح بابا دخل منه كثير من الفلاسفة والمتكلمين على هذا الشيء الذي سماه الأشعري كسبا، والذي يراه في الإنسان، متلبسا بإرادته، معلقا بمشيئته.
وقد عدّ كثير من العلماء والباحثين قول الأشعري لغزا تندّروا به، ووضعوه موضع العقد التي لا يعرف لها حلّ، وذلك أنهم لم يروا فارقا واضحا بين الخلق الذي تقول به المعتزلة، وبين الكسب الذي يقول به الأشعري، ويراه مناقضا للقول بالخلق.
يقول ابن تيمية في تفنيد نظرية الكسب: ولا يقول الأشعري: إن العبد فاعل في الحقيقة، بل كاسب، ولم يذكر بين الكسب والفعل فرقا معقولا، بل حقيقة قولهم- أي الأشعرية- قول جهم: (هو جهم بن معبد، رأس الجبرية) إن العبد لا قدرة له، ولا فعل ولا كسب.
وقد نظم بعضهم هذا شعرا، وقرن نظرية القول بالكسب إلى نظرية القول بالطّفرة عند النظام، والقول بالحال عندهم أبى هاشم: فقال:
مما يقال ولا حقيقة عنده ** معقولة تدنو إلى الأفهام

الكسب عند الأشعري والحال ** عند البهشمىّ وطفرة النظام

والذي جعل الأشعري يقول بالكسب هو ما رآه في الإنسان من إرادة وقدرة على الفعل أو الترك، ثم ما يراه من جهة أخرى من قدرة اللّه المطلقة الشاملة، وعلمه المحيط بكل شيء، فلم يرتض أن يقول إن العبد خالق لأفعاله، لأن الخلق للّه، ولم يقبل أن يجعل العبد آلة مسخرة، لأنه يراه يعمل بإرادة، ويتحرك بقدرة، ويقدم أو يحجم عن تقدير وتفكير.. فلابد- والأمر كذلك- أن يضيف إلى الإنسان شيئا مما يعمل، لا كل ما يعمل، وسمّى هذا كسبا.
يقول الأشعري: والعبد قادر على أفعال العباد.. إذ الإنسان يجد من نفسه تفرقة ضرورية، بين حركات الرّعدة والرعشة،- التي هي حركات اضطرارية- وحركات الاختيار والإرادة.. إن الحركات الاختيارية حاصلة من اختيار القادر.. والمكتسب هو المقدور بالقدرة الحادثة.
وعلى أىّ، فإن نظرية الكسب هذه، قد أثارت جوّا من التفكير عند الباحثين في هذه المشكلة، وكانت معتمد الذين لا يقولون بقول المعتزلة، من أن للإنسان اختيارا مطلقا في أفعاله، وإنّما للإنسان نوع من الاختيار، ودرجة من الإرادة، حيث يضعون الإنسان في منزلة بين الاختيار والجبر، فلا هو مختار مطلق، ولا هو مجبر ملزم.. إن له إرادة، ولكنها إرادة مقيدة بأكثر من قيد.
ولقد صار الأشعري بقوله هذا زعيما لحركة أطلق عليها لفظ الأشاعرة نسبة إليه، ثم أصبحت هذه الحركة معبرة عن رأى أهل السنة.
وقد ظاهر هذه الحركة كثير من علماء السنّة وفقهائها.. منهم إمام الحرمين.. أبو المعالي الجويني، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وفخر الدين الرازي، والإمام الغزالي، ولسان الدين بن الخطيب.. وكثير غيرهم.
حركة الأشاعرة:
يدور رأى الأشاعرة- كما أشرنا من قبل- على القول بأن الإنسان في منطقة حرام، بين الجبر والاختيار.
فالإنسان مختار في قالب مجبر، وأنه أشبه براكب سفينة تمخر عباب المحيط، فهو حرّ مختار يسير كيف يشاء، وأين يشاء، داخل هذه السفينة، ولكنه مجبر مسيّر هو وسفينته بعوامل خارجية تحيط به وبالسفينة.. كالأنواء، والعواصف وغيرها.. مما يتصل بسلامة السفينة وقوة احتمالها.. كذلك الإنسان في سفينة الوجود! هو حرّ مطلق، ولكنه مقيد بالنظام العام للوجود! فالأشاعرة هنا قريبون من الفلاسفة الغربيين القائلين بنظرية الاتفاقية، أو الظروف والمناسبات.. ومعناها أن كل فعل إنما هو في الحقيقة للّه، ولكنه يظهر على النحو الذي يظهر فيه، إذا تحققت ظروف خاصة: إنسانية، أو غير إنسانية، حتى لكأنّما يخيل للإنسان أن الظروف هي التي أوجدت هذا الفعل.
والأشعري، يرى ألا تأثير للقدرة الحادثة في الأحداث، وإنما جرت سنّة اللّه بأن يلازم بين الفعل المحدث وبين القدرة المحدثة له، ويسمّى هذا الفعل كسبا، فيكون خلقا من اللّه تعالى، وكسبا من العبد، في متناول قدرته واستطاعته.
هذا هو المحتوى الإجمالى لمذهب الأشاعرة غير أن لكل صاحب قول في هذا المذهب اتجاها خاصا في تقرير هذه القضية، وتحريرها.. كما سنرى في عرض هذه النماذج من المقولات.
لسان الدين بن الخطيب ورأيه في الكسب:
يرى لسان الدين بن الخطيب، أن الكسب فعل يخلقه اللّه في العبد، كما يخلق فيه القدرة، والإرادة، والعلم.. فيضاف الفعل إلى اللّه خلقا لأنه خالقه، وإلى العبد كسبا لأنه محلّه الذي قام به.
يقول ابن الخطيب:
وإذا كانت العرب تقول: حرّكت القضيب فتحرك، فتجعل الحركة بين فاعلين، حركة للمتحرك، وفعلا للمحرّك، فذلك- أي ما يصدر عن الإنسان- أقرب، لوجود القصد، والعلم، والقدرة.. في محيط الإنسان.. ثم إن الطاعة والمعصية للعبد من حيث الكسب. ولا طاعة ولا معصية- أي للعبد- من حيث الخلق!والخلق لا يصح أن يضاف إلى العبد، لأنه إيجاد من عدم، والفعل موجود بالقدرة القديمة، لعموم تعلق القدرة الحادثة بها.. فالقدرة الحادثة تتعلق ولا تؤثر.. وهذه- أي القدرة الحادثة- تصلح للتأثير لولا المانع، وهو وجود القدرة القديمة، لأنهما إذا تواردا- أي اجتمعا: القدرة القديمة والحادثة- لم يكن للقدرة الحادثة تأثير!! فابن الخطيب، يرى للإنسان قصدا، وعلما، يلقى بهما ضروب الأمور في الحياة.. فهذا جانب حر، أو منطقة حرّة في كيان الإنسان.. ولكنه يرى من جهة أخرى أن الأفعال كلها مخلوقة للّه، بإرادة أزلية سابقة شاملة، وأن إرادة الإنسان لا تؤثر في القدرة القديمة.
فالإنسان محكوم عليه أن ينفّذ ما وقع في إرادة اللّه، وأن إرادة الإنسان، وقصده، وعلمه- كل هذا، لا يغيّر من المقدّر عليه شيئا.. فالإنسان حر إلى أن يفرغ من الفعل الذي قدّر عليه بإرادة سابقة أن يقع على يديه.
وتسأل: ما قيمة هذه الحرّية مع ما سبق من إرادة اللّه وقدرته؟ إن الإنسان في ظاهر الأمر يبدو حرّا طليقا، ولكن قوة غير ظاهرة هي التي تقوده إلى ما سبق به علم اللّه، وقضت به إرادته.. ومرة أخرى: ما قيمة هذه الحريّة؟
أتراها تدفع شيئا مما قضى به اللّه وقدّره؟
والجواب: كلا.. إنها لا تدفع قضاء ولا تردّ قدرا.. ولكنها حرية تتيح للإنسان أن يبرز ذاته، وأن يعمل قواه كلها، وأن يفرض وجوده على الحياة، وأن يبسط سلطانه على الأشياء، وإن تفلّتث منه وخرجت من يديه! وذلك شيء ليس بالقليل في وجود الإنسان الذي لا قيمة له بغير هذه الحرية التي تمنحه الاستعلاء على الأشياء، وتريه من نفسه أنه قادر، مستطيع، عالم، مريد.. وإن لم يكن قادرا، ولا مستطيعا، ولا عالما، ولا مريدا.
إمام الحرمين ورأيه في الكسب:
هو أبو المعالي، عبد الملك بن عبد اللّه الجويني، المعروف بإمام الحرمين (توفى سنة 478 هجرية).
وقد نزع بنظرية الكسب منزعا آخر.. إنه يطلق حرّية الإنسان من جانب، ويربطه بالأسباب الخارجة عن محيطه من جانب آخر.. ثم يجعل أفعال الإنسان- تبعا لهذا- قسمة بين إرادته وبين الأسباب الملازمة.
يقول:
نفى القدرة والاستطاعة عن الإنسان، مما يأباه العقل والحسّ.. فلابد إذن من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة، لا على وجه الإحداث والخلق.
فإن الخلق يشعر باستقلال في إيجاد الفعل من العدم، وذلك من شأن اللّه وحده.
والإنسان كما يحسّ من نفسه الاقتدار، يحسّ من نفسه أيضا عدم الاستقلال.. فالفعل يستند وجودا إلى القدرة- أي القدرة الإنسانية.
والقدرة تستند وجودا إلى سبب آخر يكون نسبة القدرة إلى ذلك السبب كنسبة الفعل إلى القدرة!وكذلك يستند سبب إلى سبب، حتى ينتهى إلى مسبب الأسباب.
فهو- أي اللّه- الخالق للأسباب ومسبباتها، المستغنى على الإطلاق.. على خلاف الأسباب، فإن كل سبب مستغن من وجه، محتاج من وجه، والباري تعالى، هو المطلق الذي لا حاجة له ولا افتقار..
ورأى إمام الحرمين- كما ترى- غير صريح في حرّية الإنسان واضطراره، إنه يضع الإنسان في منطقة الذبذبات الاختيارية المقيدة في مجال الاضطرار.
انظر:
الفعل يستند وجودا إلى القدرة، أي القدرة التي تحمل الإنسان على اختيار فعل دون فعل.. وهذا واضح.
والقدرة تستند وجودا إلى سبب! ومعنى هذا أن القدرة التي يواجه بها الإنسان أىّ أمر هي وليدة سبب، وهذا السبب الذي به أصبح الإنسان ذا قدرة، يتولد من أسباب كثيرة، بعضها وراثي، وبعضها كسبى، وهى في الواقع كل كيان الإنسان، الذي ليس للإنسان- في الواقع- أثر كبير في تكييفه.
فهذه الأسباب التي توجد القدرة، هي موضع النظر في هذه القضية.
فمن أوجدها وقدّرها؟ هذا هو أساس المشكلة التي يطلب علاجها.
ثم أليس هذا هو رأى الجاحظ المعتزلي، الذي يقول: إن أفعال الإنسان كلها داخلة في نسيج حوادث الطبيعة، وإن إرادة الإنسان هي القوة العاملة فيه، وإن هذه الإرادة هي فرع العلم، وثمرة من ثمراته، وإن العلم اضطراري يأتى من أعلى؟
فالإنسان بمقتضى هذا القول، عند إمام الحرمين، مجبر في صورة مختار، أو مختار في حال مقيد!
رأى الغزالىّ في الكسب:
يذهب الغزالي في قضية القدر مذهب التسليم، فيأخذ بظاهر آيات الكتاب، ولا يرضى لعقله الفلسفي أن يتناول هذه القضية.
يقول الغزالي: اللّه تعالى خلق القدرة والمقدور جميعا، وخلق الاختيار والمختار جميعا.. فأما القدرة فوصف للعبد، وخلق للرب، وأما الحركة، فخلق للربّ، ووصف للعبد وكسب له.
ومعنى هذا- كما يقول الغزالي- أن اللّه خالق كل شيء.. القدرة والمقدور جميعا.. فليس للعبد شيء إذن، إن له بالعمل نوعا من الصلة، وهو الكسب الذي يقول به الأشعري! ثم يقول الغزالي: واعلم أن من ظنّ أن اللّه تعالى أنزل الكتاب، وأرسل الرسل، وأمر ونهى ووعد وتوعّد، لغير قادر مختار- فهو مختلّ المزاج، محتاج إلى علاج!! وهذه حجة اعتمد فيها الغزالي على النقل، أكثر من اعتماده على العقل.
رأى الفارابي في الكسب:
يقول الفارابي:
وللنفس بطبيعتها نزوع، ولمّا كانت تحسّ وتتخيّل فلها إرادة كسائر الحيوان، غير أن الاختيار للإنسان فقط.. لأن الاختيار يقوم على الرويّة، وميدانه ميدان العقل الخالص.. فالاختيار متوقف على أسباب من الفكر.
فكان الاختيار والاضطرار في وقت واحد.. لأنه- أي العقل- بحسب أصله الأول، مقدّر في علم اللّه.
ثم يقول:
والاختيار الإنسانى، إذا فهم على هذا النحو لا يستطيع أن يقهر الشهوة إلا قهرا ناقصا، لأن المادة تقف في سبيله، وعلى هذا لا تكتمل حرّية النفس الناطقة إلا إذا تحررت من قيود المادة، أعنى إذا صارت النفس عقلا! وواضح أن رأى الفارابي يتفق مع رأى إمام الحرمين.. لأن الاختيار الذي يقول به، متوقف على أسباب من الفكر.. والعقل مقدّر في علم اللّه، والإنسان إنما يعمل بما وهبه اللّه من عقل.
رأى الفيلسوف محمد إقبال:
ويقول الفيلسوف الباكستانى محمد إقبال في هذا الموضوع:
ولا شكّ أن ظهور ذوات لها القدرة على الفعل التلقائى، ومن ثمّ يكون فعلها غير متلبّأ به- يتضمن تحديدا لحرية الذات المحيطة بكل شيء يريد إقبال أن يقول: إن إرادة الإنسان التي تخلق من تلقاء نفسها، فيها تحديد لإرادة اللّه المطلقة، إذ كانت هناك إرادات تعمل مستقلّة عن تلك الإرادة الشاملة.
ثم يقول إقبال:
ولكنّ هذا التحديد لم يفرض على الذات الأولى- ذات اللّه- من خارج، بل نشأ عن حريتها الخالقة التي شاءت أن تصطفى بعض الذوات المتناهية- أي ذوات البشر- لتقاسمه.. في الحياة، والقوة، والاختيار!.
ومعنى هذا- كما يقول إقبال- أنه لا تعارض بين إرادة اللّه وإرادة الإنسان، فاللّه سبحانه بإرادته الشاملة خلق إرادات تعمل في حدود معينة، هي حدود الإمكان البشرى.
ثم يقول إقبال: وربّ سائل يقول: ولكن كيف يكون في الإمكان التوفاق بين التحديد، وبين القدرة المطلقة؟
ويجيب على هذا بقوله:
وكل فعل، سواء أكان متصلا بالخالق، أم غير متصل به، هو نوع من التحديد، يستحيل بغيره أن نتصوّر اللّه ذاتا فعّالة متحققة الوجود في الخارج ولو أننا تصورنا القدرة المطلقة تصورا مجردا، لكانت مجرد نوع من قوة عمياء، متقلبة الأهواء، ولا حدّ لها والقرآن يصوّر الطبيعة تصويرا واضحا محددا، بوصفها عالما يتألف من قوّى يتعلق بعضها ببعض، وعلى هذا، فهو- أي القرآن- يعتبر قدرة اللّه المطلقة وثيقة الصلة بحكمته الإلهية، ويرى أن قدرة اللّه غير المتناهية، تتجلّى لا فيما هو متعسف صادر عن الهوى، وإنما في المتواتر، المطرد، المنظم.
يريد إقبال أن يقول: إن كل الحوادث الواقعة في الوجود، هي في الواقع تحديد لقدرة اللّه، لأنها- أي القدرة- تجرى بما قتضته الحكمة الإلهية التي أودعت في الوجود نظاما مطردا، والنظام في ذاته قيد من غير شك! ثم يقول إقبال في موضع آخر:
فالمعصية الأولى للإنسان- معصية آدم- كانت أول فعل- أي للإنسان- تتمثل فيه حرّية الاختيار، ولهذا تاب اللّه على آدم، وغفر له وعمل الخير لا يمكن أن يكون قسرا، بل هو خضوع عن طواعيّة للمثل الأخلاقى الأعلى، خضوعا ينشأ عن تعاون الذوات الحرة المختارة، عن رغبة ورضى والكائن الذي قدّرت عليه حركاته كلها، كما قدرت حركات الآلة، لا يقدر على فعل الخير.. وعلى هذا فإن الحرية شرط في عمل الخير ولكن السّماح بظهور ذات متناهية لها القدرة على أن تختار ما تفعل بعد تقدير القيم النسبية للأفعال الممكنة لها- هو في الحق مغامرة كبرى، لأن حريّة اختيار الخير، تتضمن حرية اختيار عكسه وكون المشيئة الإلهية اقتضت ذلك، دليل على ما للّه من ثقة في الإنسان.. ولقد بقي على الإنسان أن يبرهان على أنه أهل لهذه الثقة! وربما كانت مغامرة كهذه، هي وحدها التي تيسّر الابتلاء، والتنبيه للقوى الممكنة لوجودخلق {فى أحسن تقويم} ثم ردّ إلى {أسفل سافلين} وكما يقول القرآن: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}.
وهذا- في رأينا- أعدل رأى في هذه القضية!! ويعجبنى في هذا المقام رأى للفيلسوف الأمريكى رويس يصوّر به الصلة بين اللّه الإنسان، وهى صلة- كما يراها الفيلسوف، تجعل للّه- سبحانه- القدرة المطلقة، كما تجعل للإنسان قدرة عاملة داخل قدرة اللّه.. ويضرب الفيلسوف لهذا مثلا محكما من الرياضيات، التي تعتبر أكثر المعارف دقة وانضباطا.
والمثل الذي ضربه رويس هو أنه وضع للّه سبحانه وتعالى دلالة من الأعداد، هي سلسلة- تبدأ بالواحد، ولا تنتهى.. هكذا:
1، 2، 4، 5، 6، 7... إلى ما لا نهاية.. وهو اللّه سبحانه فهذا هو المطلق الذي يشتمل كل شيء.
أما الموجودات، فقد صورها رويس في سلاسل عددية على هذا النحو الآتي:- 2- 4- 8- 16... إلى ما لا نهاية.
3- 9- 27- 81... إلى ما لا نهاية.
5- 25- 125- 625... إلى ما لا نهاية.
7- 49- 343- 2401... إلى ما لا نهاية.
وهكذا تتوالى سلاسل الأعداد إلى ما لا نهاية أيضا.
وكل عدد من هذه الأعداد يمثل فرادا من أفراد الناس.
ويلاحظ في هذه الأعداد الإنسانية:
أولا: أنها داخلة جميعها في السلسلة الأولى، إذ جميع ما فيها من أعداد تشتمل عليه السلسلة الأولى المطلق.
وثانيا: أنها تتميز بطابع فريد، يجعلها وحدة قائمة بذاتها، ليس بينها وبين غيرها اتفاق مطلق.
هذا المثل يعطينا تصورا واضحا للصلة التي بين الإنسان وبين اللّه، من جهة، وبين الإنسان وبين غيره من الناس من جهة أخرى.
ففى كل سلسلة إنسانية شيء من السلسلة الأولى اللّه أو المطلق، وهى واقعة في مضمونها.
وهذا يعنى أن للإنسان ذاتية خاصة، وإن كانت تلك الذاتية ضمن مشتملات الذات الأولى، ومعنى هذا أيضا أن الإنسان مطلق من جهة، ومقيد من جهة أخرى.
ثم إن الاختلاف بين هذه السلاسل يعنى أن الناس لابد أن يكونوا مختلفين فيما بينهم.. كل إنسان كون مستقل بذاته، داخل هذا الكون العظيم المطلق.
والفيلسوف وليم چيمس يحقق ذاتية الإنسان، مع وجود اللّه.
فلا يلغى إرادة الإنسان مع إرادة اللّه، ويرسم لهذا صورة قريبة من الصورة التي رسمها رويس.
ولكنها صورة كلامية، وليست عددية.
يقول چيمس:
الإله الذي هو عقل، يشمل سائر العقول، وليس منفصلا عن الكون انفصال الخالق عن خلقه، كما تصورت الديانات التقليدية، كلا، ولا هو حالّ في الوجود كله، كما تصورت فلسفة وحدة الوجود ولكن إله بينه وبين سائر العقول الفردية قسط مشترك، هو الاشتراك في إدراكات بعينها، لكنه في الوقت نفسه يتميز بفردية مستقلة، كما يتميز كل فرد من الأفراد الصغرى بفرديته المستقلّة.
فالصورة، أقرب إلى سلّم متدرج من عقول.. فعقل أكبر من عقل، لأنه يدرك إدراكات هذا العقل ثم يزيد عليها، ثم عقل ثالث أكبر من هذا العقل، فرابع أكبر.. وهكذا دواليك صعودا، دون أن يتحتم أن يكون هناك عقل مطلق يسع كل شيء.. فالعقل الأعلى فيه كل ما في الأدنى مع الاحتمال دائما بأن يكون هناك ما هو أعلى.
ومنطق هذا القول يقضى بأن لا تنتهى درجات السلّم العقلي عند نهاية ليس بعدها شيء، بل هناك احتمال دائما بأن يكون هناك ما هو أعلى.. ومع وجود هذا الاحتمال، فإن الواقع المحقق هو أن هناك عقلا أعلى يسع العقول جميعا، وهو الذي يمكن أن يطلق عليه العقل المطلق، مادام ليس هناك ما هو فوقه.
فإذا وقع الاحتمال المتوقع، وهو ظهور عقل أعلى، كان هو العقل المطلق.
وهكذا.
ولعل ماحدا بوليم چيمس إلى هذه الفكرة التي تجعل العقول متصاعدة، دون أن تضيع في ذلك شخصية العقل الأدنى في العقل الأعلى- هو أنه أراد أن يحتفظ لكل فرد بإرادته المستقلة، لتقع عليه مسئوليته الخلقية.. وهذا ما يجعل لكفاح الأفراد نحو الخير معنى، لأنه يجعل في مستطاع الأفراد تغيير ما هو كائن، إذا كان ذلك الكائن شرا، ليصبح أفضل مما هو وأكمل.
اللّه والإنسان.. مرة أخرى:
لا يستطيع عاقل أن ينكر إرادة الإنسان المستقرة في كيانه، والتي بها يتعامل مع الحياة، فيقبل على الشيء أو يعرض عنه، حسب تقديره وإرادته.
ولا يستطيع مؤمن باللّه أن ينكر قدرة اللّه الشاملة، وإرادته النافذة، وأن كل شيء بيد اللّه، وتحت مشيئته.
هذان الأمران يكاد يتفق عليهما جميع المؤمنين باللّه، وهما: أن للّه إرادة وقدرة، وأن للإنسان إرادة وقدرة.
ولكن الخلاف يقع ويشتد بين المؤمنين باللّه، حين ينظر الناظرون منهم إلى الإرادتين معا، وإلى القدرتين معا، في مجال التصريف والعمل.
وقد رأينا ألوانا مختلفة من التفكير، ومذاهب متعددة من الرأى، في تقدير إرادة الإنسان وقدرته، إلى جانب إرادة اللّه وقدرته.
فذهب قوم إلى أن إرادة الإنسان وقدرته لا أثر لهما إزاء إرادة اللّه وقدرته، بينما ذهب أقوام إلى عكس هذا، فقالوا: إن إرادة الإنسان لا تلغيها إرادة اللّه، ولا تعطّل عملها.. فالإنسان حرّ مختار يفعل ما يشاء، كيف يشاء.
وقد كان يمكن أن يمضى القول بهذا الرأى أو ذاك، أو بالرأيين معا، دون أن يبدو أثر ظاهر في واقع الحياة إذا انتقلت من رأى إلى رأى.. فسيّان أن يكون الإنسان في واقعه يعمل في أمور مطلقة يخلقها كيف يشاء، ويدبّرها حيث يريد، أو في أمور قدّرت من قبل، وأخذت صورتها كاملة قبل أن يلتقى بها- مادام الإنسان لم يؤت قدرة على كشف الغيب والتحقق من نتائج الأعمال قبل معالجتها ووقوعها.
إن الإنسان يعالج أمور الحياة حسب تقديره، ويمضيها حسب إرادته، ثم تجيء نتائجها التي لا يعلم علمها إلا بعد أن تقع.. وكون الإنسان يعمل في أمور قدّرت، أو في أمور لم تقدّر، فإن ذلك لا يؤثر على إرادته العاملة، ولا يتدخل تدخلا محسوسا في تدبيره أموره.
أقول: إن القول بأن الإنسان مختار أو مجبر، والقول بأنه يعمل في أمور مقدرة أو غير مقدرة- إن هذا القول أو ذاك لا يظهر لهما أثر إلا إذا نزلت أعمال الإنسان منزل الحساب والجزاء، حين يحاسب على عمله، فيجزى عن الخير خيرا، وعن الشر شرا.
هنا يتغير الموقف، ويصبح للقول باختيار الإنسان أو جبره، وللقول بالقدر أو بألّا قدر- نتائج خطيرة، يتعلق بها مصير الإنسان، وتتقرر بها سعادته أو شقاؤه في الدار الآخرة.
فإذا قيل إن الإنسان حر مختار، كان معنى هذا أنه مسئول عن عمله الحسن أو السيّء، وأنه سينال ثوابه وعقابه على ما قدم من عمل، ولا حجة له أمام اللّه.
وإذا قيل إنه مجبر مكره، وإنه يعمل بإرادة غالبة، وبقدر سابق، كان معنى هذا ألّا تبعة عليه، وبالتالى ألا ثواب على حسن، ولا عقاب على سيئ! ولكن الذي يقال هو غير هذا.
فهناك دار الآخرة، وفيها ثواب وعقاب، وجنة للمؤمنين المتقين، ونار للعصاة المذنبين.
وهنا تجيء التساؤلات والاعتراضات.
ما ذنب الإنسان؟ وكيف يسأل عن أعمال مقدورة، محكوم عليه أن يعملها؟.
وهنا تبرز مشكلة القضاء والقدر، وتصبح هذه المشكلة في مجال النظر والامتحان.
وهنا تتفتح للكثير من الناس أبواب المنازعة في تدبير اللّه وفى حكمته، وفى قضائه وقدره.
فمن مستسلم لحكمة اللّه وتدبيره، وقضائه فيه، مؤمن بأن ما أصابه من خير أو شر فهو بقضاء اللّه وقدره، راض بما قسم اللّه.. ومن متخبط متسخّط، يضيف إلى نفسه الأعمال الطيبة الناجحة، ويرمى القدر بما لا يرضيه وما لا يرضى عنه من الأعمال.
وقد كان إبليس- لعنه اللّه- أول من احتج بالقدر بعد أن عصى أمر ربه، فلم يسجد لآدم كما أمره، فلما حل غضب اللّه عليه، لم يرجع على نفسه باللأئمة، ولم يستشعر الندم فيتوب كما تاب آدم، بل غلبت عليه شقوته، فقال: {رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}.
وقد تلقى كثير ممن غلب عليهم الشقاء من بنى آدم، هذه الحجة الضالة، عن إبليس، فتخلّوا عن كل خير، وغرقوا في كل ضلال، وبين أيديهم هذه الحجة الخادعة، التي يرددونها عند كل قولة ناصح، ينصح لهم، ويدعوهم إلى الإيمان والهدى، فيقولون ما حكاه اللّه عنهم في قوله تعالى: {لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} [35: النحل] وقوله: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا} [148: الأنعام] وقوله سبحانه: {وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} [47 يس] انظر كيف يفترون على اللّه الكذب؟ يؤمنون بقضائه وقدره، ويحتجون بمشيئته، ثم يكفرون به؟
فالذين يحتجون بالقدر هذا الاحتجاج، لا يؤمنون باللّه، ولو آمنوا باللّه لآمنوا بقضائه وقدره، ولامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه.
فالقول بأن لو شاء اللّه ما أشركوا قول حق، ولكنه لا يصدر عن القائلين به لتقرير عموم إرادة اللّه وشمول مشيئته، ولو كان هذا متوجّه قولهم لكان ذلك إيمانا خالصا.. فاللّه سبحانه وتعالى يقول: {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} [99: يونس] ولكنهم يقولون هذا القول في سفسطة خبيثة، تهوى بهم إلى مهاوى الهالكين.
ولهذا أنكر اللّه عليهم قولهم الذي قالوه في مشيئته، لأنهم- كما يقول ابن القيم- لم يذكروا ما ذكروا إثباتا لقدرة اللّه وربوبيته ووحدانيته، وافتقارا إليه، وتوكلا عليه، ولو قالوا ذلك لكانوا مصيبين، وإنما قالوه معارضين لشرعه، ودافعين لأمره، فعارضوا أمره وشرعه ودفعوه بقضائه وقدره.
أباطيل بعض المتصوفة:
ولبعض المتصوفة فلسفة مريضة، تذهب بهم هذا المذهب الأعوج الأهوج، الذي يقود إلى الضلال والهلاك.. إنهم ينسبون إلى اللّه كل شيء من طاعات وسخافات معا.. إن كل ما يفعلونه حسن، لأنهم- حسب تصورهم المخبول- لا يعملون شيئا، وإنما هم ينفذون إرادة اللّه ومشيئته.. فكل أعمالهم طاعات، وكل سخافاتهم قربات، حتى ليقول قائلهم مخاطبا ربه في غير حياء:
أصبحت منفعلا لما تختاره منىّ، ففعلى كله طاعات!
فهذا الغبي الأحمق، هو منفعل- كما يقول- وليس فاعلا.. وليته انفعل بالطاعات.. وإنما هو منفعل بما يمليه عليه شيطانه الذي يوسوس له حين يفطر رمضان! وهو منفعل بمشيئة اللّه، حين يترك الصلاة عمدا، أو حين يشرب الخمر، ويأتى كل فاحشة جهارا في غير حياء!
هو في تلك الأحوال- كما زيّن له الشيطان- قائم في محراب العبادة، لأنه ينفذ إرادة اللّه ويحقق مشيئته! {كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ} [12 يونس].
طريق المؤمنين:
أما المؤمنون حقا فمدعّوون إلى الإيمان بقضاء اللّه وقدره.. فاللّه خالق كل شيء، وهو على كل شيء قدير، فما شاء اللّه كان، وما لم يشأ لم يكن.
عن أبى هريرة- رضى اللّه عنه قال: لما نزل قوله تعالى على نبيه صلى اللّه عليه وسلم:
{إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} قالوا- أي المؤمنون {الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن لم نشأ لم نستقم} فأنزل اللّه عز وجل:
{وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ}.
وعن ابن عباس- رضى اللّه عنهما- في قوله تعالى: {كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ}.
قال: وكذلك خلقهم حين خلقهم: مؤمنا وكافرا، وسعيدا وشقيا، وكذلك يعودون يوم القيامة، مهتدين وضلّالا.
وقال مالك بن أنس: ما أضلّ من كذب بالقدر، لو لم يكن عليهم حجة إلا قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} لكفى بها حجة.
وعن أبى حازم، قال: قال اللّه عز وجل {فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها}.
أي فالتقىّ ألهمه التقوى، والفاجر ألهمه الفجور.
وفوق هذا كله، وقبل هذا كله، قول الرسول الكريم: «لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر خيره وشرّ، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه».
وكان الحسن البصارى- رضى اللّه عنه- يقول: من كذّب بالقدر فقد كذّب بالحق، إن اللّه عز وجلّ، قدّر خلقا، وقدّر أجلا، وقدّر بلاء، وقدّر مصيبة، وقدّر معافاة.. من كذب بالقدر فقد كذّب بالقرآن.
فالإيمان بالقدر، والتسليم بالمقدور والرضا به، هو الصميم من الإيمان، وهو دعوة الإسلام، وهو سبيل المؤمنين، وبغير هذا لا ينعقد إيمان، ولا يكمل دين.
يقول ابن تيمية: وما قدّر من المصائب يجب الاستسلام له، لأنه من تمام الرضا باللّه ربّا.. وأما الذنوب، فليس للعبد أن يذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب.. فيتوب من المعايب، ويصبر على المصائب فإذا عمل العبد بطاعة اللّه عزّ وجل علم أنها بتوفاق اللّه، فيشكره على ذلك ويحمده، وإذا عمل بمعصية ندم على ذلك، وعلم أنها بمقدور جرى عليه، فذمّ نفسه، واستغفر ربه.. وليس لأحد على اللّه حجة، بل للّه الحجة على خلقه: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ}.
فاللّه سبحانه وتعالى خلق الخلق كما شاء، فجعلهم شقيا وسعيدا، قبل أن يخرجهم إلى الدنيا: {لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ} [23: الأنبياء].
وعلى هذا، فمطلوب من العبد أن يقول في كل ما يقع له، أو يقع منه: هذا بقضاء اللّه، ومشيئة اللّه.. يقول ذلك عن يقين لا شك فيه، فذلك هو الإيمان الذي يشدّ عزمات الإنسان في الشدائد، ويعينه على الحق، ويجعل منه إنسانا غير ضائع في الحياة.. إن زلّ فذلك بقدر سابق، ولكن يجب أن يرى نفسه في هذه الحال في موقف لا يرضى اللّه، فيبادر بالانسحاب من هذا الموقف بكل ما لديه من قوة وعزم وإيمان، مستعينا باللّه، تائبا إليه، نادما على ما وقع منه، فتلك هي سبيل المؤمنين، الذين يقول اللّه فيهم: {وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [135: آل عمران].
يقول ابن تيمية: كل من احتجّ بالقدر فإنه متناقض.. فإنه لا يمكن أن يدع كل آدمىّ يفعل به ما يشاء.. فلابد إذا ظلمه ظالم أن يدفع هذا القدر، وأن يعاقب الظالم بما يكفّ من عدوانه، وعدوان أمثاله، فيقال له- أي للمحتج بالقدر-: إن كان القدر حجة، فدع كل أحد يفعل بك ما يشاء، وإن لم يكن حجّة، فبطل قولك: إن القدر حجة.
ثم يقول: وأصحاب هذا القول الذين يحتجون بالحقيقة الكونية أي القدر لا يطردون هذا القول ولا يلتزمونه، إنما هم يتبعون آراءهم وأهواءهم، كما قال فيهم بعض العلماء: أنت عند الطاعات قدرىّ، وعند المعصية جبرىّ، اه إن الأخذ بالأسباب، ودفع الأقدار، هو مما يقوم عليه نظام الحياة، وتشير به الحكمة، ويقضى به العقل، ومن ترك الأسباب فقد ألغى عقله، وأفسد وجوده، وأدخل الخلل على حياته.. إن الحيوان الأعجم لا يرضى هذه المنزلة التي صار إليها من يحتج بالقدر.. إن الحيوان يدفع الجوع بالأكل الذي يطلبه ويسعى إليه، وينال منه، ويدفع الظمأ بالماء، برد موارده، ويلتمس مواطنه، ويمدّ فمه إليه، وبتقى العدوّ المتربص به، بكل سلاح يقدر عليه، فيقاتل بقرونه، وأنيابه، ومخالبه، وأظفاره.. وبكيانه كله. وإن هو رأى من نفسه العجز عن لقاء عدوّه ومدافعته، طلب النجاة.. فرارا، وهربا.
فالإنسان الذي يعطّل جوارحه، ويميت مشاعره، ويلقى بنفسه في منامة العجز والتواكل، محتجا بأن ما قدّر له سيقع، سواء سعى أم لم يسع- هذا الإنسان ليس أهلا لأن يعيش في الناس، أو يحسب في الأحياء.
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ** إن السفينة لا تجرى على اليبس

سأل بعض الصحابة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقالوا: يا رسول اللّه:
أرأيت أدوية لتداوى بها، ورُقى نسترقى بها، وتقى نتقى بها.. هل تردّ من قدر اللّه شيئا؟ فقال الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه: «هى من قدر اللّه».
فالأسباب من قدر اللّه، كما أن المسببات من قدر اللّه.. فمن لم يأخذ بالأسباب إلى مسبباتها فقد آمن وكفر، وذلك نفاق أشد من الكفر.
يقول جعفر الصادق: إن اللّه تعالى أراد بنا شيئا، وأراد منّا شيئا، فما أراده بنا طواه عنّا، وما أراده منا أظهره لنا، فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا؟ وذلك هو مقطع القول في تلك القضية الشائكة!.